كيف اختفت أسماء قتلة متظاهري أكتوبر من أدراج الحكومة العراقية؟

 



لم يعد السؤال في العراق متى ستحاكم الحكومة قتلة تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، التي أوقعت آلاف الشهداء والجرحى (700 شهداء وحوالي 20 ألف جريح)؟ لكن السؤال المطروح هو "الحكومة ستحاسب من"؟.


بعد عام من الوعود ولجان التحقيق الخاصة باحتجاجات أكتوبر، بسبب العنف الذي رافق التظاهرات، فجأة اكتشف العراقيون أنه لا توجد أسماء للفاعلين! كما تتداول أخبار عن إطلاق سراح قادة عسكريين متورطين بتلك الجرائم.


وقال القضاء العراقي قبل أيام، إنه لا يملك أسماء لمتهمين في تلك الأحداث، بينما كانت الحكومة السابقة كشفت عن عشرات الأسماء المتورطة في العنف ضد المحتجين.

كيف حدث ذلك؟


يقول ناشطون وسياسيون إن هناك مؤامرة كبيرة وتدخلاً من "ميليشيات" وأحزاب سياسية "تتستّر" على قتلة المتظاهرين.


وتحصي الحكومة العراقية عدد ضحايا احتجاجات أكتوبر بأكثر من 500 شهيد، بينما تنسيقيات الاحتجاجات في البلاد، تقول إن هناك حوالي 700 شهيد وأكثر من 20 ألف جريح.


بيان صادم!

وأكد بيان صدر الأحد الرابع من أكتوبر الحالي، عن مجلس القضاء الأعلى في العراق، ‏‏"عدم وجود أسماء" في ملف حكومي من المفترض أن يضم قوائم للمتهمين بقتل المتظاهرين.‏


وكان وزير الدفاع السابق نجاح الشمري، قال في يوليو (تموز) الماضي، إن "ملف قتل المتظاهرين انكشف لحكومة عادل عبد المهدي (استقالت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019) وتمت إحالته إلى القضاء".


وقال المجلس في البيان، إنه "تسلم ملف قتل وخطف المتظاهرين بلا متهمين"، وذلك رداً على ‏تصريحات وزير الدفاع السابق، وأحد أبرز المسؤولين الذين شملهم التحقيق في قضية قتل ‏وإصابة آلاف المتظاهرين.‏


ووصف مجلس القضاء تصريحات الشمري، بـ"الشائعات"، وقال إنها ‏‏"غير صحيحة"، مبيناً أن الملف الذي تسلمه المجلس من الحكومة السابقة هو "ملف تحقيق ‏إداري ليس فيه متهمون محددون، كما ورد في تصريح الشمري"، وأن "الملف لم يتضمن ‏تقصير أية جهة سواء كانت مؤسساتية أو شخصية".‏


وأعلنت السلطة القضائية في سبتمر (أيلول) الماضي، استدعاء وزيري الدفاع والداخلية السابقين في ‏حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، في قضايا تتعلق بعمليات قتل طالت ‏محتجين، فيما ذكرت أن اجتماعاً عقد مع مسؤولين أمنيين بارزين لمتابعة هذه القضايا.‏


وأصدرت الهيئات التحقيقية العراقية مذكرات قبض بحق عدد من منتسبي وزارتي الدفاع ‏والداخلية، إلا أنها كانت تحتاج إلى موافقة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ووزير الداخلية ‏عثمان الغانمي، بحسب رئيس مجلس القضاء الأعلى.‏


جهة ثالثة

وقال وزير الدفاع نجاح الشمري، في تصريحات لمحطة تلفزيونية عراقية في يوليو الماضي، إن الملف "يضم ‏أسماء جميع المتهمين"، مضيفاً أن "أول من أطلق النار على المتظاهرين في الأول من أكتوبر، عناصر في الجيش العراقي، لكن في اليوم الثاني أطلق النار من جهة ثالثة نحو ‏المتظاهرين والجيش".‏


وبيّن الشمري أن "رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي شكل اللجنة التحقيقية في ملف قتل ‏المتظاهرين وطلب تحقيقاً عادلاً وشفافاً، وتم إكمال الملف وإدراج أسماء المتهمين، اطلع ‏عليها عبد المهدي، وتمت إحالته إلى القضاء، كما تم اتخاذ عدد من الإجراءات بحق ضباط".‏



وكشف الشمري عن خطة لإجراء "إنزال جوي" على المبنى الذي كان ‏المتظاهرون يتحصنون فيه، مؤكداً أن أحد الضباط الكبار حاول تمرير تلك الخطة لكنها ألغيت ‏بعد أن بين الشمري "مخاطرها".‏


وقال الشمري في اللقاء إن "الضابط أعطى أمراً بالإنزال" لكن الشمري تمكن من إلغائه، ‏مضيفاً أن "عادل عبد المهدي لم يحاسب الضابط الذي كان يجب أن يجرد من رتبته العسكرية ‏ويحال للقضاء".‏


كما أضاف الشمري في اللقاء أن "عادل عبد المهدي فعل ما بوسعه"، ما يفهم منه وجود جهات ‏سياسية متنفذة منعت أي إجراءات أخرى للحكومة.‏


واستقال رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي نهاية العام الماضي تحت ضغط الاحتجاجات ‏الشعبية، ليتم اختيار مصطفى الكاظمي خلفاً له في مايو (أيار) الماضي.‏


إلى ذلك، قال جوزيف صليوا نائب سابق في البرلمان العراقي، إن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي "يتحمل مسؤولية عدم محاسبة المتورطين بقتل المتظاهرين".


وكانت نتائج تحقيق اللجنة التي شكلتها حكومة عادل عبد المهدي، في أحداث أول عشرة أيام من احتجاجات أكتوبر 2019، غطت على "أوامر" ضرب المتظاهرين و"هويات القناصين".



وأوصت اللجنة في حينها، بإحالة عدد كبير من كبار قادة الجيش والأجهزة الأمنية للقضاء على خلفية استشهاد متظاهرين. وقال تقرير اللجنة إن 149 مدنياً وثمانية من قوات الأمن استشهدوا في تلك الاضطرابات.


وأضاف النائب السابق في تصريح، "هناك أجندات سياسية غير عراقية تتحكم بالمشهد في البلاد وتتستّر على القتلة"، مبيناً أن "أجنحة مسلحة وأحزاباً تابعة لطهران وراء تلك الأعمال".


وكانت لجنة التحقيق الأولى التي أعلنت نتائجها في 22 أكتوبر 2019، قد أدانت وأعفت 76 قائداً وضابطاً رفيعاً ومسؤولين في أجهزة أمنية ومنتسبين من مناصبهم، من بينهم قادة شرطة النجف والقادسية وذي قار وواسط وميسان وبغداد، وقائد عمليات ذي قار (عمليات الرافدين)، وقائد عمليات بغداد، وقائد الفرقة 11 في الجيش، وقائد الفرقة الأولى في الشرطة، وقائد اللواء 45 في الجيش، إضافة إلى إحالة ضباط وعناصر أمن آخرين للقضاء، لتورطهم المباشر في قتل متظاهرين.


تجميد مؤقت

وفي غضون ذلك، اعتبر ناشطون أن 25 سبتمر الحالي، موعد تجدد الاحتجاجات، هو الفرصة الأخيرة أمام السلطات لمواجهة القتلة وفضح أسمائهم.


وقال الناشط كريم مهدي، إن "حكومة عبد المهدي السابقة حوّلت أغلب الضباط الذين ذكرت أسماؤهم في التقرير الأول والوحيد، الذي أعلنت الحكومة نتائجه حول أحداث ساحة التحرير، إلى أمرة وزارتي الدفاع والداخلية".


وأمرة الجيش هي دائرة تابعة للوزارت الأمنية، يتم فيها تجميد بعض المسؤولين لفترة معينة، قبل أن يتم تكليفهم بمهمة أخرى أو إحالتهم إلى التقاعد.


ويضيف الناشط من بغداد "لم تصدر أي قرارات من القضاء أو أية جهة رسمية بالحكم على مسؤول أو قائد عسكري منذ اندلاع التظاهرات قبل أكثر من عام".


واعتبر مهدي أن وضع الضباط في "الأمرة" هو "عملية تسويف ومماطلة، وقد يجمد القائد العسكري لفترة معينة ثم يعود مجدداً للعمل بعد أن تمضي مدة على الحادث، وتعتقد الحكومة أن الجريمة قد نُسيت".


وكانت الحكومة السابقة قد حولت الفريق جميل الشمري، المتهم بارتكاب جرائم ضد متظاهرين في النصارية (جنوب العراق) قد أحيل إلى الأمرة، بعد أن استعاد منصبه مطلع 2020 الحالي، في إحدى الجامعات العسكرية بالعراق.



هل أفرج عن الشمري؟

ومنذ يومين، تتداول أنباء عن إطلاق سراح الشمري، بعد أيام من اعتقاله في مطار بغداد هارباً إلى تركيا بحجة العلاج، والخبر الذي لم يتأكد بعد قد يتسبب في صدمة للمتظاهرين ويزيد من غضب الشارع.


والشمري، متهم بارتكاب مجزرة في الناصرية في ديسمبر (كانون الأول) 2019، حين أطلقت قواته النار على عدد من المحتجين، ما تسبب بمقتل وجرح أكثر من 100 شخص.


وتعهد مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء، الأسبوع الماضي في زيارته الأولى إلى مدينة الناصرية (مركز محافظة ذي قار جنوب العراق)، بمحاسبة قتلة المحتجين.


وقال في بيان نشره مكتبه في السادس من الشهر الحالي، موجهاً كلامه إلى أبناء الناصرية "ذي قار مدينتنا وأهلها أهلنا ومن تورط في الدم العراقي سينال جزاءه".


ولم يتطرق الكاظمي في خطابه إلى قضية سجاد العراقي، الناشط المدني الذي اختفى من الناصرية في سبتمبر الماضي، ولم تعثر عليه القوات الحكومية حتى الآن، وهو ما قد ينسف كل وعود الكاظمي.



وفي هذا الشأن، يقول علي الناصري أحد المتظاهرين في المدينة إن رئيس الوزراء "تجاهل الحديث عن العراقي، وربما هذا بسبب المؤامرة الكبيرة التي تجري لإخفاء أسماء قتلة المتظاهرين".


وكانت الحكومة قد أرسلت قوات مكافحة الإرهاب إلى الناصرية في سبتمبر الماضي، بحثاً عن الناشط المختفي، وكادت أن تحدث اشتباكات مع إحدى العشائر التي اتهمت بإخفائه، قبل أن يتراجع الكاظمي ويعتذر إلى العشيرة ويسحب قواته.

Post a Comment

0 Comments