البحر الأسود.. ساحة صراع جديدة بين روسيا والغرب


 على خلفية استمرار التوتر في شرقي أوكرانيا، تحول البحر الأسود إلى ساحة للصراع واستعراض القوة بين روسيا والغرب مع عبور سفن بحرية روسية من أساطيل بحر الشمال والبلطيق الروسيين عبر مضيق البوسفور إلى البحر الأسود، إضافة إلى نقل سفن أخرى من أسطول بحر قزوين إلى المنطقة المقابلة لشبه جزيرة القرم.


في حين قررت بريطانيا إرسال سفن عسكرية تابعة لبحريتها إلى البحر الأسود لدعم أوكرانيا.


وبعد انتقادات غربية حادة لإعلان روسيا إغلاق ثلاث مناطق بحرية، ومنع مرور السفن الحربية الأجنبية عبرها، بحجة إجراء تدريبات عسكرية، قال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، إنّ روسيا لم تفرض قيوداً على حركة السفن التجارية في البحر الأسود، مشدداً على أنّ فرض القيود في المناطق التي تجري فيها تدريبات هو ممارسة دولية مقبولة.


وأفادت مصادر في الخارجية الروسية، بحسب وكالة "نوفوستي"، بأن "موسكو تعول على تنفيذ اتفاقية (مونترو) بشأن نظام المضائق من قبل الدول غير المطلة على البحر الأسود".


وكانت إدارة الملاحة وعلوم المحيطات بوزارة الدفاع الروسية كشفت في نشرتها في 14 نيسان الحالي أنه "من الساعة 21:00 يوم 24 نيسان الجاري وحتى 21:00 يوم 31 تشرين الأول 2021، سوف يُعلق حق المرور الآمن عبر المياه الإقليمية للاتحاد الروسي للسفن الحربية الأجنبية وسفن البلدان الأخرى".


وأوضحت الإدارة أن "الحديث يدور حول ثلاث مناطق من البحر الأسود هي القسم الممتد على طول ساحل شبه جزيرة القرم بين سيفاستوبول وغورزوف، والقسم المستطيل قبالة ساحل شبه جزيرة كيرتش في منطقة خليج أوبوك، بالإضافة إلى قسم بحري صغير بالقرب من الطرف الغربي لشبه جزيرة القرم لا يتجاوز حدود مناطق التدريب البحري المعتادة منذ العهد السوفييتي".


وتمتد جميع المناطق المخطط إغلاقها فقط إلى "الحدود الخارجية للمياه الإقليمية للاتحاد الروسي"، في حين أن مضيق كيرتش (بوابة الدخول إلى بحر آزوف، والعبور إلى مينائي ماريوبل وبارديانسك الأوكرانيين) والاقتراب منه لا يقعان ضمن المناطق المحظورة للملاحة. وأمس الثلاثاء، ذكرت وكالة إنترفاكس للأنباء، نقلاً عن الأسطول الروسي في البحر الأسود أن أكثر من 20 سفينة حربية روسية شاركت في تدريبات عسكرية في البحر الواقع بين آسيا وأوروبا.


كذلك، فرضت روسيا في الفترة من 20 نيسان الجاري إلى 24 منه، قيوداً مؤقتة على الرحلات الجوية فوق جزء من شبه جزيرة القرم والبحر الأسود، حسب الإشعار الدولي للطيارين  "NOTAM"، وفق ما نقلت وكالة إنترفاكس، أي من يوم أمس الثلاثاء وحتى بداية الحظر على السفن.


واستدعى الإعلان الروسي بشأن حظر الملاحة في أجزاء من البحر الأسود، ردود فعل غربية غاضبة، ودعا المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، جون كيربي، روسيا يوم الجمعة الماضي إلى "إنهاء التهديدات للسفن في المنطقة والكف عن تعزيز قدراتها العسكرية بالقرب من حدود أوكرانيا".


ووصفت الخارجية الأميركية، أول أمس الاثنين، خطط روسيا لحظر الملاحة في أجزاء من البحر الأسود بأنه "تصعيد بلا مبرر"، مشيرة إلى أنّ هذا الإجراء يؤثر على دخول السفن إلى الموانئ الأوكرانية في بحر آزوف عند الطرف الشرقي لشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014. وقال المتحدث باسم الخارجية نيد برايس، في بيان "هذا يمثل تصعيداً آخر بلا مبرر في حملة موسكو المستمرة لتقويض اوكرانيا وزعزعة استقرارها".


وخلص إلى أنّ "هذا التطور مثير للقلق بشكل خاص وسط تقارير موثوقة عن حشد روسيا لقواتها في شبه جزيرة القرم المحتلة وقرب الحدود الأوكرانية الآن إلى مستويات لم نشهدها منذ الغزو الروسي عام 2014".


وأكدت التصريحات الأخيرة الصادرة عن "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" وقيادة الاتحاد الأوروبي، أنّ الوضع في البحر الأسود يتحول بسرعة إلى مصدر قلق جديد في العلاقات بين روسيا والغرب. وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، بيتر ستانو، أول أمس الاثنين، إنّ "نية الاتحاد الروسي إغلاق بعض مناطق البحر الأسود أمام حركة السفن حتى أكتوبر المقبل، بحجة التدريبات العسكرية، تشكل مصدر قلق بالغ، خصوصاً على خلفية الوضع على الحدود الأوكرانية الروسية وفي منطقة القرم التي تم ضمها بشكل غير قانوني".


وأُدرج بحث هذه القضية في جدول أعمال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي الذي عقد أول من أمس، والذي شارك فيه مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد، جوزيب بوريل، ووزراء خارجية دول الاتحاد.


من جانبها، شددت كييف على أنّ الخطوة الروسية تعدّ "محاولة اغتصاب الحقوق السيادية لأوكرانيا كدولة ساحلية، في انتهاك لقواعد ومبادئ القانون الدولي".


وقالت الخارجية الأوكرانية في بيان يوم الجمعة الماضي، إنّ سلوك موسكو "يشير إلى عدم وجود أي نوايا من جانبها للتخلي عن استمرار العدوان على أوكرانيا باستخدام الأساليب العسكرية والهجينة".


وأشار البيان إلى أنه "على خلفية تعزيز الوجود العسكري الروسي على طول الحدود البرية، واصل الاتحاد الروسي تكثيف التصعيد في البحر، ونقل السفن الحربية من بحر قزوين إلى منطقة آزوف والبحر الأسود". ودعا البيان إلى زيادة الضغط على روسيا.


وعلى خلفية تصاعد الأزمة شرقي أوكرانيا، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية، في بيان يوم السبت الماضي، أن مدمرة وفرقاطة من أسطولها المرابط في البحر المتوسط ستعبران مضيقي البوسفور والدردنيل حتى تستقرا بالبحر الأسود في بداية الشهر المقبل.


وفي وقت سابق، نقلت صحيفة " تايمز" البريطانية عن مصادر في البحرية قولها، إنه تقرّر مغادرة المدمرة من النوع 45 والفرقاطة المضادة للغواصات من النوع 23، وأنه في حال وجود تهديد من السفن أو الغواصات أو الطائرات الروسية، فإنّ مقاتلات "أف 35" على متن حاملة الطائرات "الملكة إليزابيث" في البحر الأبيض المتوسط ستكون قادرة على دعم المدمرة والفرقاطة.


ونقلت الصحيفة عن مسؤول بوزارة الدفاع البريطانية لم تحدده، قوله حول الغرض من نقل السفن الحربية إلى البحر الأسود، إنّ "بريطانيا وحلفاءنا الدوليين يدعمون بشكل ثابت سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا".


وذكرت محطة "NTV" التلفزيونية التركية، الإثنين، أنّ لندن أرسلت بالفعل إشعاراً إلى تركيا بشأن اقتراب مرور إحدى السفن عبر مضيق البوسفور.


ومعلوم أنّ وزارة الدفاع الأميركية، خططت لإرسال المدمرتين "روزفلت" و"دونالد كوك" إلى البحر الأسود، وأبلغت تركيا بمرورهما عبر مضيق البوسفور في 14 و15 نيسان.


لكنها قررت التخلي عن هذه الخطة في آخر لحظة، وحسبما ذكرت صحيفة "بوليتيكو" يوم الخميس الماضي، فقد قرر البنتاغون "عدم استفزاز روسيا".


من جانبها، أعلنت البحرية الأوكرانية، أول أمس الاثنين، انتهاء مناورات عسكرية بحرية مشتركة مع رومانيا في البحر الأسود استمرت لمدة أسبوع. وأشارت وزارة الدفاع الأوكرانية في بيان، إلى أنّ هذه المناورات حاكت عمليات قتال وجهاً لوجه مع سفن حربية، فضلاً عن تأمين السيطرة على مناطق شحن في عرض البحر.


ولفتت الوزارة إلى أنّ بحريتها ستشارك الصيف المقبل في مناورات أخرى مماثلة، ستجرى في الجزء الشمالي الغربي من البحر الأسود.


وتملك روسيا ثلاث قواعد عسكرية على شواطئ البحر الأسود، أهمها قاعدة سيفاستوبول التي كانت تستأجرها من أوكرانيا قبل ضمها للقرم في 2014.


وعلى الرغم من كبر حجم أسطولها في البحر الأسود، عملت روسيا في الأسابيع الأخيرة على نقل عدد كبير من القطع البحرية من أساطيل الشمال والبلطيق وبحر قزوين.


وفي الأسبوع الماضي، أعلن أسطول البحر الأسود عن دخول السفن الحربية إلى البحر للتدريب على إطلاق النار، بمشاركة طائرات ومروحيات هليكوبتر تابعة للطيران البحري والدفاع الجوي لأسطول البحر الأسود.


وذكرت الخدمة الصحافية للأسطول في بيان، أنّ عدداً من سفن أسطول بحر قزوين عبرت من تحت جسر القرم عبر مضيق كيرتش، لاستكمال الانتقال إلى البحر الأسود.


وحسب البيان، فقد تم نقل 15 سفينة من أسطول بحر قزوين، "للمشاركة في تدريبات بحرية، والتحقق من الاستعداد لصدّ القوات الهجومية البحرية والجوية".


كما دخلت البحر الأسود بفارق ساعات، عبر مضيق البوسفور، سفينتا إنزال كبيرتان، هما "ألكسندر أوتراكوفسكي" و"كوندوبوغا" من الأسطول الشمالي للبحرية الروسية وسفينتا الإنزال الكبيرتان "كالينينغراد" و"كوروليف" من أسطول بحر البلطيق.


وفي تعليقه على الإجراءات الروسية، أوضح الخبير العسكري ورئيس تحرير مجلة "أرسينال أوتيتشيستفو"، فيكتور موراكوفسكي، لصحيفة "كوميرسانت"، أمس الثلاثاء، أنّ "قرار إغلاق جزء من منطقة مياه البحر الأسود هو تحذير من أن هذه مناطق خطرة أثناء التدريبات في النطاقات الساحلية والبحرية، ليتم تنفيذ هذا الإجراء سنوياً كجزء من فصلي الربيع والخريف".


واستدرك بأنه "في ظلّ التصعيد حول أوكرانيا، يكتسب القرار معنى خاصاً بالنسبة للسياسيين الغربيين، الذين يرون أنه تهديد جديد ضد كييف".


أما نائب مدير مركز الدراسات الأوروبية الشاملة في المدرسة العليا للاقتصاد، فاسيلي كاشين، فقال للصحيفة نفسها، إنّ قرار موسكو بإغلاق جزء من البحر الأسود "يجب أن يُنظر إليه أيضاً على أنه إجراء وقائي يهدف إلى استبعاد إمكانية الاستفزازات في البحر الأسود".


وأشار إلى "المرور الآمن لسفينة حربية أجنبية عبر المياه الإقليمية لدولة أخرى، يجب أن يكون مصحوباً باستيفاء عدد من المتطلبات، منها إيقاف تشغيل الرادارات وأنظمة الأسلحة، وعدم تنفيذ المناورات وأنشطة التدريب".


وأوضح الخبير الروسي أنّ "خصوصية الوضع قبالة سواحل القرم، هي أنّ الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي الأخرى، لا تعترف بملكية شبه الجزيرة والمنطقة المائية لروسيا التي تتوقع محاولات استفزاز من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما تلك المتعلقة بدخول مياه شبه الجزيرة والانتهاك الاستعراضي اللاحق لحقوق العبور الآمن، ولهذا قررت استباق الحدث".


وفي ظلّ التصعيد المتواصل في البحر الأسود، قال مصدر في وزارة الخارجية الروسية لوكالة "نوفوستي" الحكومية، إنّ "كل ما يجري القيام به من دخول السفن إلى البحر الأسود يتم لغرض واحد، وهو زيادة الضغط على بلدنا.


وحتى نتصرف كما يتوقعون منا أن نتصرف، ونبدي امتثالاً في بعض النواحي".


وأضاف أنّ "الدول الغربية ربما تعتقد أنه يمكنها ترهيب روسيا".


من جانبه، أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في تصريحات على هامش مؤتمر في موسكو، الاثنين الماضي، أنّ بلاده "تتصرف بأقصى قدر من الالتزام بالاتفاقيات متعددة الأطراف ذات الصلة وأي اتفاقيات أخرى تشارك فيها روسيا"، مشدداً على "ضرورة التزام البلدان الأخرى باتفاقية مونترو".


ومعلوم أنّ اتفاقية مونترو وُقعت في عام 1936 وتحدد قواعد المرور عبر مضيقي البوسفور والدردنيل الواصل بين البحرين الأسود والمتوسط.


وبعد الإعلان عن خطط تركيا لتطوير قناة جديدة تربط إسطنبول بالبحر الأسود، شددت روسيا على أهمية المحافظة على الاتفاقية.


وقال الكرملين في بيان يوم 9 نيسان الجاري، بعد مكالمة هاتفية بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، إنه "في ظلّ الخطط التركية لشق قناة إسطنبول، شدد الجانب الروسي على أهمية الحفاظ على النظام القائم لمضيق البحر الأسود، وفقاً لبنود اتفاقية مونترو لعام 1936 من أجل ضمان الاستقرار والأمن الإقليميين".


وتضمن اتفاقية مونترو حرية عبور السفن المدنية في السلم والحرب.


كما أنّها تنظم استخدام المضيقين من قبل سفن عسكرية من دول غير مطلة على البحر الأسود، بما في ذلك الولايات المتحدة وأعضاء حلف شمال الأطلسي، والتي تشهد علاقاتها بروسيا توتراً شديداً.


وتنصّ شروط المعاهدة على وجوب تقديم السفن الحربية الأجنبية إشعاراً مسبقاً قبل المرور وتسمح لها بالبقاء في البحر الأسود لمدة 21 يوماً فقط. وعلى الرغم من أنّ تركيا ترفض أي محاولة لتغيير موازين القوى في البحر الأسود، استناداً إلى تلك الاتفاقية، وتؤكد أن أمن البحر الأسود مسؤولية الدول المطلة عليه، إلا أنّ المطالب الغربية لتعديل الاتفاقية ازدادت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز دول جديدة بعضها انضم إلى حلف الأطلسي مثل بلغاريا ورومانيا، وأخرى ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحلف مثل جورجيا وأوكرانيا، إضافة إلى تركيا العضو في حلف الأطلسي، وروسيا المصنفة كأحد أكبر المخاطر في عقيدة الحلف. 

إرسال تعليق

0 تعليقات