الابتزاز الإلكتروني في العراق.. السلطات تكافح وسط صمت الضحايا


 



"أنا مجهولة تماما وأستخدم اسما مزيفا على فيسبوك وإنستغرام" تقول رغد (اسم مستعار) وهي من سكنة منطقة زيونة ببغداد، وتعمل موظفة استقبال في شركة خاصة للطيران منذ عدة سنوات.

بدأت رغد، وهي في العقد العشريني من عمرها، في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي منذ أن كانت تبلغ 15 عاما، وحينها كانت شاهدة على تعرض إحدى صديقاتها لموقف كاد أن يفقدها حياتها.

تقول رغد، إن "صديقتها في المدرسة كانت تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة وسمح لها ذلك بإنشاء علاقة مع شاب قام فيما بعد بابتزازها ماليا والتهديد بنشر صور ومقاطع صوت وفيديو لمحادثات جرت بينهما".

تطورت الأحداث سريعا وسرعان ما اكتشف الأهل خطة ابتزاز الشاب، ليرضخوا لمطالبه خوفا من "الفضيحة"، وكانت الضحية الفتاة التي منعت من كل شيء تقريبا، ولم يسمحوا بـ"امتلاك هاتف أو الذهاب للمدرسة وحتى الخروج من المنزل والتهديد بالقتل"، وفقا لرغد.

وفرت شبكات التواصل الاجتماعي لبعض النساء العراقيات حرية غير مسبوقة في التعبير عن آرائهن ومنحتهن مساحة واسعة لمشاركة أفكارهن مع المجتمع، لكن بالنسبة لكثيرات، من الصعب التخلص من الأعراف الاجتماعية والسيطرة الذكورية على حياتهن، لذا دائما ما يبقين مجهولات على مواقع التواصل الاجتماعي خوفا من عمليات الابتزاز الإلكتروني المتزايدة على نحو مطّرد في العراق.  

إحصاءات صدرت عن البنك الدولي في 2018، إشارت إلى ارتفاع نسبة العراقيين الذين لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت من 0.6 في المئة فقط في عام 2003 إلى 75 في المئة.

ولكن فيما فتح الوصول إلى الإنترنت الباب واسعا للشباب العراقيين على العالم، تجد العديد من النساء أن قيم العنف والتفاوت بين الجنسين التي تسود داخل المجتمع العراقي في الواقع، منتشرة بنفس القوة على الإنترنت أيضا.

وبشكل متكرر، تكشف وزارة الداخلية العراقية عن وقوع حوادث مماثلة، يطالب فيها المبتزون بمبالغ مالية يدفعها الضحايا تجنبا للفضيحة، أو يطالبونهم بالقيام بممارسات شائنة، عادة ما تنطوي على ممارسة أفعال جنسية.

وبشكل يومي تقريبا، تعلن وزارة الداخلية عن الإيقاع بأشخاص يقومون بالابتزاز الإلكتروني، وكذلك إنقاذ ضحايا ابتزاز من دفع مبالغ مالية، لكن مع ذلك لا تزال عمليات الابتزاز منتشرة بشكل ملحوظ في العراق.

خلال الأسبوع المنصرم، أعلنت وزارة الداخلية إحباط ثلاث عمليات ابتزاز إلكتروني لفتيات، عمليتان في الأنبار، وثالثة في إحدى الجامعات، وضحاياها عدد من الطالبات.

وقالت الوزارة في بيان، الأربعاء، إنها تمكنت من الوصول إلى المبتزين الذين هددوا الضحايا بنشر صورهن على مواقع التواصل الاجتماعي مقابل المال أو الخضوع لـ"رغباتهم الدنيئة".

وأمس الجمعة قالت الداخلية العراقية إنها تمكنت من اعتقال "متهم في منطقة الصالحية ببغداد لقيامه بابتزاز فتاة إلكترونيا، وتهديدها بنشر صورها، ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا لم تدفع له مبلغا من المال".

يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية خالد المحنا إن "الجرائم الإلكترونية ازدادت بشكل كبير في العراق نتيجة استخدام الأجهزة الذكية وتعدد مواقع التواصل الاجتماعي واعتماد المواطنين عليها حاليا بشكل كبير حتى في تعاملاتهم التجارية".

ويضيف المحنا، أنه "في الآونة الأخيرة بدأت تتصاعد حالات الابتزاز الإلكتروني، ما دفع وزارة الداخلية إلى التحرك بعد أن اكتشفت أن الموضوع يؤثر كثيرا على الأمن المجتمعي".
من بين المشاكل التي تسببت بها ظاهرة الابتزاز الإلكتروني كثرة حالات الانتحار وارتفاع معدلات الطلاق ومشاكل أسرية أخرى.
يقول المحنا إن أحد المبتزين الذين ألقي القبض عليهم في إحدى المحافظات مؤخرا تسبب على سبيل المثال بتسع حالات طلاق، ويشير إلى أن الغالبية العظمى من ضحايا الابتزاز هن فتيات شابات.

لا تتوفر إحصاءات دقيقة عن عدد حالات الابتزاز الإلكتروني في العراق، سواء لدى السلطات أو منظمات المجتمع المدني لأن كثيرا من العائلات أو الفتيات اللواتي يتعرضن للابتزاز يحجمن عن الإبلاغ.

تقول الإخصائية في علم النفس، سارة نزار، إن معظم الضحايا لا يتوجهون للمؤسسات المعنية لأنهم يخافون "الفضيحة" وبالتالي نادرا ما يمكن الوصول لأرقام دقيقة لعدد ضحايا الابتزاز الإلكتروني في البلد.

تؤشر نزار، تداعيات كثيرة لهذه الظاهرة، من أهمها قيام العائلات بالتعامل بقسوة مع الفتيات الضحايا، بدلا من الوقوف معهن ومساعدتهن من أجل تخطي الأزمة.

ووفقا لنزار تعاني الفتيات اللواتي يتعرضن للابتزاز من مشاكل نفسية عدة تستمر عدة أشهر حتى مع العلاج، من بينها التخيلات والضغط النفسي والقلق والانعزال والكآبة وربما حتى الانتحار.

تقترح الإخصائية في علم النفس عدة حلول للحد من آثار عمليات الابتزاز الإلكتروني من بينها زيادة الوعي المجتمعي لهذه الظاهرة الخطيرة، والمسؤولية هنا تنقسم بين العائلة والدولة".

على العائلات زرع الثقة في صفوف الأبناء والابتعاد عن لغة التهديد، وفي الوقت ذاته مراقبة تصرفات الأبناء وخاصة الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، وفقا لسارة نزار.

وتضيف "بالمقابل يجب على السلطات زيادة عمليات التوعية بشأن أخطار عمليات الابتزاز وتوفير باحثين اجتماعيين في المدارس والجامعات لتقديم الدعم للضحايا".

لم تتمكن السلطات العراقية حتى الآن من السيطرة بشكل كامل على عمليات الابتزاز الإلكتروني، لكنها على الأقل بدأت بأولى الخطوات لمكافحتها، وفقا للمتحدث باسم وزارة الداخلية.

يقول خالد المحنا إن وزارة الداخلية استعانت بأجهزة فنية متطورة وخبراء "لتتبع المبتزين واعتقالهم متلبسين بالجريمة".

ويضيف أن "أغلب الأشخاص الذين تم ضبطهم متلبسين أحيلوا للمحاكم وحكم عليهم بأحكام طويلة بعضها وصلت لـ 14 سنة و7 سنوات".

يؤكد المحنا أن "هذه العقوبات كافية جدا، وأن عمليات الملاحقة مستمرة"، مضيفا أنه "في فترة من الفترات شهدنا ارتفاعا كبيرا في الحالات، لكننا تمكننا من المحافظة أو تخفيض النسبة بشكل ملحوظ".

ومع ذلك تقول سارة نزار إنه رغم أن "الكثير من الفتيات يدخلن بأسماء مستعارة أو وهمية، إلا أن هذا لا يجنبهن الوقوع ضحايا للابتزاز، لأنهن يمكن أن ينشأن علاقات مع أشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

لكن رغد تصر على عدم الكشف عن هويتها في العالم الافتراضي خوفا من التعرض لموقف مشابه لما تعرضت له صديقتها.

"أحكي مع الفتيات فقط، وسأبقى كذلك، ما أريد أفقد حياتي"، تقول بارتباك باد على صوتها عبر الهاتف.

إرسال تعليق

0 تعليقات